أحمد بن ابراهيم النقشبندي

94

شرح الحكم الغوثية

--> وأما الشهوة فهي : إرادة الملذوذات والتذاذ بملذوذ عند المشتهي ، فإنه لا يلزم أن يكون الملذوذ عنده ملذوذا عند غيره ، ولا أن يكون موافقا لمزاجه ولا ملائما لطبعه ، وذلك أن الشهوة شهوتان : شهوة عرضيّة : وهي التي يمنع من إتباعها ، فإنها كاذبة وإن نفعت يوما ما ، فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها ؛ لئلا يرجع ذلك عادة فتؤثر فيه العوارض . وشهوة ذاتية : فيجب عليه اتّباعها ، فإن فيها صلاح مزاجه لملاءمتها طبعه ، وفي صلاح مزاجه وصلاح دينه سعادته ، ولكن يتبعها بالميزان الإلهي الموضوع من الشارع ، وهو حكم الشرع المقرر ، وسواء كان من الرخص أو العزائم ، إذا كان متبعا للشرع لا يبالي فإنه طريق إلى اللّه مشروعة ، فإنه تعالى ما شرع إلا ما يوصل إليه بحكم السعادة ، ولا يلزم أيضا أن يكون ما يشتهيه في هذه الحال يشتهيه في كل حال ، فينبغي أن يعرف الحال التي ولدت تلك الشهوة عنده والوقت الذي اقتضاها . وقد تتعلّق بأعمال الطاعات هذه الشهوات العرضيّة فتوجب بعدا ، كمن رأى موضعا فيستحسنه طبعه فيشتهى أن يصلى فيه ، أو بفضيلة يعملها في ذلك الزمان دون غيره فإن ذلك يؤثر في حاله مع اللّه تعالى أثر سوء ، وميزان ذلك الالتذاذ بعمل لا بشهود إلهي ، وهذا من المكر الخفي ، ولأبي يزيد فيها قدم راسخة ، وقد نبّه على ذلك لما سألته أمه في ليلة باردة أن يسقيها ماء وكان برا بها فثقل عليه القيام ، وكان ملتذّا في جميع أحواله بخدمة أمه ، فاتهم نفسه في تلك اللذة ؛ إذ كان يتخيل أنه كان لا يتلذذ بخدمة أمه إلا لإقامة حق اللّه فيها فرمى كل عبادة تقدمت له كان له التذاذ بها وتاب توبة جديدة . فأغوار النفوس لا يدركها إلا الفحول من أهل اللّه ، فلا تفرح بالالتذاذ بالطاعات ورفع المشقة فيها عنك دون ميزان القوم في ذلك ، فإذا اقترنت هذه الشهوة بصحبة الأحداث والصبيان الصباح الوجوه أو النساء في اللّه تعالى فيما يخيل له أنه في اللّه تعالى ، كان في طي هذا التعلق مكر إلهي خفي ، والذي ينبغي له أن يزن حالة في دعواه أنه ما صحب الأحداث والنساء إلا للّه ، فإذا وجد ماء أو خضرة وفارق ذلك فإنه لا يستوحش له فإن كان على هذه الصفة مع الأحداث أو النساء كانت صحبته للّه ، وإن كان بحيث إذا فارقهم استوحش وحصل عنده اشتياق إلى رؤيتهم وهيجان إلى لقائهم وفرح عند إقبالهم ، علم أن الصحبة معلولة ليست للّه تعالى ، وإن وقعت المنفعة للمصحوب فيسعد ، ويشقى هذا المحب شقاوتين : بعد المحبوب ، والجهل بما قد كان تخيل فيه أنه علم ، وهو أن الصحبة للّه تعالى .